فخر الدين الرازي
110
تفسير الرازي
اللساني في الخيال ، ثم يصعد من ذلك الأثر الخيالي مزيد أنوار وجلايا إلى جوهر الروح ، ثم تنعكس من تلك الإشراقات الروحانية آثار زائدة إلى اللسان ومنه إلى الخيال ، ثم مرة أخرى إلى العقل ، ولا يزال تنعكس هذه الأنوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض ، ويتقوى بعضها بعض ويستكمل بعضها ببعض ، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب ، لا جرم لا نهاية لسفر العارفين في هذه المقامات العالية القدسية وذلك بحر لا ساحل له ، ومطلوب لا نهاية له . واعلم أن قوله تعالى : * ( واذكر ربك في نفسك ) * وإن كان ظاهره خطاباً مع النبي عليه السلام ، إلا أنه عام في حق كل المكلفين ولكل أحد درجة مخصوصة ومرتبة معينة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة كما قال في صفة الملائكة : * ( وما منا إلا له مقام معلوم ) * ( الصافات : 164 ) . * ( إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : لما رغب الله رسوله في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه في ذلك فقال : * ( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ) * والمعنى : أن الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب ، وحوادث الحقد والحسد ، لما كانوا مواظبين على العبودية والسجود والخضوع والخشوع ، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعداً للذات البشرية والبواعث الإنسانية أولى بالمواظبة على الطاعة ، ولهذا السبب قال عيسى عليه السلام : * ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ) * ( مرين : 31 ) وقال لمحمد عليه السلام : * ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) * ( الحجر : 99 ) . المسألة الثانية : المشبهة تمسكوا بقوله : * ( إن الذين عند ربك ) * وقالوا لفظ * ( عند ) * مشعر بالمكان والجهة . وجوابه أنا ذكرنا البراهين الكثيرة العقلية والنقلية في هذه السورة عند تفسير قوله : * ( ثم استوى على العرش ) * ( الأعراف : 54 يونس : 3 ) على أنه يمتنع كونه تعالى حاصلاً في المكان والجهة . وإذا ثبت هذا فنقول : وجب المصير إلى التأويل في هذه الآية وبيانه من وجوه :